أحمد بن محمد القسطلاني
127
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
وهو بمكة فقال قوم : لم يزل يستقبل الكعبة بمكة ، فلما قدم المدينة استقبل بيت المقدس ثم نسخ ، وقال البيضاوي في تفسير قوله : { وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا } [ البقرة : 143 ] أي الجهة التي كنت عليها وهي الكعبة . فإنه كان عليه الصلاة والسلام يصلي إليها بمكة ، ثم لما هاجر أمر بالصلاة إلى الصخرة تألفًا لليهود . وقال قوم : كان لبيت المقدس فروى ابن ماجة حديث صلينا مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نحو بيت المقدس ثمانية عشر شهرًا وصرفت القبلة إلى الكعبة بعد دخول المدينة بشهرين ، وظاهره أنه كان يصلي بمكة إلى بيت المقدس محضًا . وعن ابن عباس كانت قبلته بمكة بيت المقدس إلا أنه كان يجعل الكعبة بينه وبينه . قال البيضاوي : فالمخبر به على الأول الجعل الناسخ ، وعلى الثاني المنسوخ ، والمعنى أن أصل أمرك أن تستقبل الكعبة وما جعلنا قبلتك بيت المقدس اه - . وفي هذا الحديث جواز نسخ الأحكام خلافًا لليهود وبخبر الواحد ، وإليه مال القاضي أبو بكر وغيره من المحققين وجواز الاجتهاد في القبلة ، وبيان شرفه عليه الصلاة والسلام وكرامته على ربه لإعطائه له ما أحب والرد على المرجئة في إنكارهم تسمية أعمال الدين إيمانًا . ورواة الحديث السابق أئمة أجلاء أربعة ، وفيه التحديث والعنعنة ، وأخرجه المؤلف أيضًا في الصلاة والتفسير وفي خبر الواحد والنسائي والترمذي وابن ماجة . 31 - باب حُسْنِ إِسْلاَمِ الْمَرْءِ هذا ( باب حسن إسلام المرء ) بإضافة باب لتاليه وباب ساقط عند الأصيلي . 41 - قَالَ مَالِكٌ أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : « إِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلاَمُهُ يُكَفِّرُ اللَّهُ عَنْهُ كُلَّ سَيِّئَةٍ كَانَ زَلَفَهَا ، وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ الْقِصَاصُ : الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ ، وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا ، إِلاَّ أَنْ يَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهَا » . وبالسند إلى المؤلف قال ( قال مالك ) وللأصيلي وقال مالك ولابن عساكر في نسخة قال : وقال مالك يعني ابن أنس إمام دار الهجرة ( أخبرني زيد بن أسلم ) أو أسامة القرشي المكي مولى عمر بن الخطاب ( أن عطاء بن يسار ) بفتح المثناة التحتية والسين المهملة أبا محمد المدني مولى أم المؤمنين ميمونة ( أخبره أن أبا سعيد الخدري ) بالدال المهملة رضي الله عنه ( أخبره أنه سمع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) حال كونه ( يقول ) بالمضارع حكاية حال ماضية . ( إذا أسلم العبد ) أو الأمة وذكر المذكر فقط تغليبًا ( فحسن إسلامه ) أو إسلامها بأمن دخلا فيه بريئين من الشكوك أو المراد المبالغة في الإخلاص بالمراقبة ( يكفر الله عنه ) وعنها ( كل سيئة كان زلفها ) بتخفيف اللام المفتوحة وبه قرئ على الحافظ المنذري وغيره ، ولأبي الوقت زلفها بتشديدها وعزاه في التنقيح للأصيلي ، ولأبي ذر مما ليس في اليونينية أزلفها بزيادة همزة مفتوحة وهما بمعنى كما قاله الخطابي وغيره أي أسلفها وقدمها ، وفي فرع اليونينية كهي أسلفها بالهمزة والسين لأبي ذر والتكفير هو التغطية وهو في المعاصي كالإحباط في الطاعات . وقال الزمحشري : التكفير إماطة المستحق من العقاب بثواب زائد والرواية في يكفر بالرفع ، ويجوز الجزم لأن فعل الشرط ماضٍ وجوابه مضارع ، وقول الحافظ ابن حجر في الفتح بضم الراء لأن إذا وإن كانت من أدوات الشرط لكنها لا تجزم تعقبه العيني فقال : هذا كلام من لم يشم شيئاً من العربية وقد قال الشاعر : استغن ما أغناك ربك بالغنى . . . وإذا تصبك خصاصة فتحمل فجزم إذا تصبك انتهى . قلت : قال ابن هشام في مغنيه : ولا تعمل إذا الجزم إلا في الضرورة كقوله : استغن ما أغناك الخ . قال الرضي لما كان حدث إذا الواقع فيه مقطوعًا به في أصل الوضع لم يرسخ فيه معنى أن الدّال على الفرض بل صار عارضًا على شرف الزوال ، فلهذا لم تجزم إلا في الشعر مع إرادة معنى الشرط وكونه بمعنى متى ( وكان بعد ذلك ) أي بعد حسن الإسلام ( القصاص ) بالرفع اسم كان على أنها ناقصة أو فاعل على أنها تامّة ، وعبّر بالماضي وإن كان السياق يقتضي المضارع لتحقق الوقوع كما في نحو قوله تعالى : { وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ } [ الأعراف : 44 ] والمعنى وكتابة المجازاة في الدنيا ( الحسنة ) بالرفع مبتدأ وخبره ( بعشر ) أي تكتب أو تثبت بعشر ( أمثالها ) حال كونها منتهية ( إلى سبعمائة ضعف ) بكسر الضاد والضعف المثل إلى ما زاد ، ويقال لك ضعفه يريدون مثليه وثلاثة